الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

152

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الملائكة مطلعون على هذا الموضوع ، وهو أن لله إحاطة علمية بهم ، وهذا العرفان هو السبب في أنهم لا يسبقونه بالقول ، ولا يعصون أمره ، ولهذا فإن هذه الجملة يمكن أن تكون بمثابة تعليل للآية السابقة . 5 - ولا شك أن هؤلاء الذين هم عباد الله المكرمون المحترمون يشفعون للمحتاجين ، لكن ينبغي الالتفات إلى أن هؤلاء ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن المسلم أن رضي الله وإذنه في الشفاعة لا يمكن أن يكون أي منهما اعتباطيا ، بل لابد أن يكون من أجل الإيمان الحقيقي ، أو الأعمال التي تحفظ علاقة الإنسان بالله . وبتعبير آخر ، فإن من الممكن أن يتلوث الإنسان بالمعصية ، إلا أنه إذا لم يقطع علاقته بالله وأوليائه تماما ، فإن الشفاعة تؤمل في حقه . أما إذا قطع علاقته تماما من ناحية الاتجاه الفكري والعقائدي ، أو أنه غرق في المعاصي والانحراف من الناحية العملية ، إلى الحد الذي يفقد معه لياقة الشفاعة أو استحقاقها ، ففي هذه الحال سوف لا يشفع له أي نبي مرسل أو ملك مقرب . إن هذا هو نفس المطلب الذي أوردناه في بحث فلسفة الشفاعة ضمن البحوث السابقة ، بأن الشفاعة هي طريق لتهذيب الإنسان ، ووسيلة لإرجاع المذنبين إلى الصراط المستقيم ، والمنع من اليأس أو القنوط ، والذي هو بنفسه عامل للانزلاق والغرق في الانحراف والمعصية . إن الإيمان بمثل هذه الشفاعة يبعث على بقاء ارتباط المذنبين بالله ورسله والأئمة ، ولا يهدموا كل الجسور خلفهم ، ويحفظوا خط الرجعة ( 1 ) . ثم إن هذه الجملة تجيب ضمنا أولئك الذين يقولون : إننا نعبد الملائكة لتشفع لنا عند الله ، فيقول القرآن لهم : إن هؤلاء لا يقدرون على فعل شئ من تلقاء

--> 1 - بحثنا في مجال الشفاعة بصورة مفصلة في ذيل الآيتين ( 48 و 254 ) من سورة البقرة ، فراجع .